أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

116

نثر الدر في المحاضرات

إنّ الداخل بين قريش لحائن « 1 » نفسه . كتب عمرو بن سعيد إلى عبد الملك : استدراج النّعم إياك أفادك البغي ، ورائحة القدرة أورثتك الغفلة ، فزجرت عمّا واقعت مثله ، وندبت إلى ما تركت سبله ، ولو كان ضعف الأسباب يؤيس الطّالب ما انتقل سلطان ولا ذلّ عزيز ؛ وعن قريب يتبين من صريع بغي ، وأسير غفلة ، والرّحم تعطف على الإبقاء عليك ، مع أخذك ما غيرك أقوم به منك . وقال سعيد بن العاص : قبح اللّه المعروف إذا لم يكن ابتداء من غير مسألة ، فأمّا إذا أتاك ترى دمه في وجهه ، مخاطرا لا يدري أتعطيه أم لا ، وقد بات ليلته يتململ على فراشه ، يعاقب بين شقّيه ؛ مرة هكذا ، ومرة هكذا ، من لحاجته ، فخطرت بباله أنا وغيري ، فميّل أرجاهم في نفسه ، وأقربهم من حاجته ، ثم عزم عليّ وترك غيري ، فلو خرجت له مما أملك لم أكافه ، وهو عليّ أمنّ مني عليه . قالوا : لمّا ولي عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك دمشق ، ولم يكن في بني أمية ألبّ منه في حداثة سنة ، قال أهل دمشق : هذا غلام شابّ ، ولا علم له بالأمور ، وسيسمع منا ؛ فقام إليه رجل فقال : أصلح اللّه الأمير ، عندي نصيحة . قال له : ليت شعري ما هذه النصيحة التي ابتدأتني بها ، من غير يد سبقت منّي إليك ؟ قال : جار لي عاص متخلف عن ثغر . فقال له : ما اتقيت اللّه ، ولا أكرمت أميرك ؛ ولا حفظت جوارك . إن شئت نظرنا فيما تقول ، فإن كنت صادقا لم ينفعك ذلك عندنا ، وإن كنت كاذبا عاقبناك ، وإن شئت أقلناك . قال : أقلني . قال : اذهب حيث شئت لا صحبك اللّه . إني أراك شرّ جيل رجلا . ثم قال : يا أهل دمشق ؛ أما أعظمتم ما جاء به الفاسق ؟ إن السعاية أحسب منه سجيّة ، ولولا أنه لا ينبغي للوالي أن يعاقب قبل أن يعاتب كان لي في ذلك رأي ، فلا يأتينّي أحد منكم بسعاية على أحد بشيء ، فإنّ الصادق فيها فاسق ، والكاذب فيها بهّات .

--> ( 1 ) الحائن : الهالك . أي أتاه الحين وهو الهلاك .